بسم الله الرحمن الرحيم

بيت المريخي - (مركز اللؤلؤ)- متحف دلما حاليا

لمؤسسه المرحوم محمد بن جاسم المريخي

لمحة تاريخية

   لأوائل هذا القرن وحتى النصف الأول منه ثمة إشارة عن دلما في كتاب وكيل المقيم البريطاني في الشارقة عام 1906 هذا نصه:

          "تكون جزيرة دلما مأهولة بالسكان بصورة مكثفة أثناء مواسم جمع اللؤلؤ..

وفي عام 1936 يكتب المقيم الجديد قائلاً: "يقيم في جزيرة دلما بعض الناس من القبيسات والمزاريع والمحاربة والمريخات .

 

      تقول بعض المراجع التاريخية عن جزيرة دلما وحسب ما ورد في صحيفة الاتحاد الظبيانية بأن الأبحاث دلت علي أنه في القرن السابع بعد الميلاد كانت هناك خمس جزر رئيسية تحيط بالبحرين الحالية ، وكانت واحدة منها تسمي (تالمون)  هذه الجزيرة التي يوجد في أعماق تربتها الماء العذب وتشكل أخاديد أرضها سهولا تتجمع فيها مياه الأمطارفتشكل غدرانا من الماء العذب ينمو الشجر حواليها وتعيش عليها طيور (اللوهه) البحرية وطيور (الصر) التي تملأ الجو بصريرها وصراخها.

      وحول هذه الأشجار حلت قبيلة المريخات فبنت أول (فريج) أي (حي) في الجزيرة سموه (فريج المريخات) فكانت (عرشانهم) أي بيوتهم المبنية من جريد النخل تملأ الجزيرة وراحت سفنهم تمخر عباب الخليج العربي في رحلات الغوص وهم يبحثون عن اللؤلؤ في قعر البحر .

 

     وتعتبر جزيره دلما في الماضي المركز الأساسي البحري لصيد اللؤلؤ، وتذكر السجلات أنه كانت تقوم فيها بانتظام أسواق لبائعي اللؤلؤ اللذين جاؤوا من أقاصي المعموره مثل الهند

وتتضمن احدي مجموعات مباني القرن التاسع عشر التي تم ترميمها مؤخرا علي الجزيرة منزلا لتاجر لؤلؤ مشهورا يخص عائله المريخي ، في حين تتضمن خزفيات عثر عليها خلال عمليه ترميم أسس مسجد مجاور كسرات فخارية تعود الي أوائل العصر الاسلامي المتأخر.

بيت المريخي - (مركز اللؤلؤ)- متحف دلما حاليا

لمؤسسه المرحوم محمد بن جاسم المريخي

              إن ارتباط الصرح الأثري بجملة الأحداث والمتغيرات والوقائع التي مرت على جزيرة دلما بشكل خاص والإمارات بشكل عام يجعلنا لا نتعامل مع هذا المركز من منطلق كونه أثراً أو تراثاً فحسب بل سجل يؤرخ لمرحلة مهمة تؤشر بدلالاتها إلى واقع جزيرة دلما ودورها الاقتصادي والتاريخي والسياسي.. إن العامل الأهم الذي يدفعنا للاهتمام بهذا المركز تجسد في المعادلة المعقدة التي تحققت وظهرت واضحة في الطابع المعماري الأموي والذي يؤكد أهمية الجزيرة وعلاقاتها مع جاراتها لا بل مع أقطار قديمة تأثرت وأثرت بها. فهذا النأي الجغرافي عن بلاد الشام تقربه وبكل تأكيد علاقات تجارية وسياسية تعود ليس فقط للعهد الأموي بل إلى ماض يعد بآلاف السنين والحفريات والموجودات الأثرية من محلات وصناعات تدل على هذه الحقائق وتدعمها بالشواهد.

الطابع المعماري

    بمجـرد استقبالك البيت من واجهاته الأربـع يتراءى لك الفـن المعماري الأموي سواء في الشكل الهندسي العام لهيكل البيت أو من خلال الولوج في تفاصيله وتوزيع غرفه وليواناته.. وصالوناته.. وان أخـذ طابعاً يتلاءم مع الواقع البيئي الخليجي من حيث معالجة التصميم الهندسي لنسب الرطوبة وعمليات التكتيك الهوائي ووسائل التهوية والتبريد المبتكرة والتي يندر وجودها إلا في دول الخليج العربي مع هذا كله إلا أن الفن المعماري الأموي بات بوضوح في قسمات زواياه وأركانه.. وأصناف القناطر والعقود الحبرية والبراميل وغيرها.

          إن المصمم الهندسي لبيت المريخي لم يهمل في تفاصيله الخصوصية الاجتماعية لدولة الإمارات العربية المتحدة والتي ترتكز أساساً على مبادئ الشريعة الإسلامية والعادات والتقاليد الأصيلة.. ويتجلى ذلك في الفصل الهندسي الراقي بين مجالس الحريم والرجال.. وقد أخذ بعين الاعتبار كون هذا البيت ليس فقط مسكناً بل ملتقى ثقافي واقتصادي وتجاري وصناعي فعال.

                لدى استقبالك الواجهة البرية للبيت ونقصد بها الجهة المتقابلة مع الواجهة البحرية يقابلك مبنى البيت المكون من طابقين .. تبدأ بالطابق الأسفل وهو عبارة عن (ايوان) كما يطلقون عليه في دول ساحل الخليج العربي أو (الليوان) كما يسمى في بلاد الشام عامة. ويقودنا (الليوان) هذا إلى غرفتين يمنى ويسرى.. وتشير السقايا الأثرية إلى هاتين الغرفتين كانتا عبارة عن مخزنين لحفظ المواد لدى إنزالها من المراكب التجارية القادمة من الهند واليمن والسعودية وغيرها من دول الخليج ودول الجوار.

              كما يحتوي البيت على ثلاث مدابس والمدبسة عبارة عن غرفة لصناعة الدبس معتمدة على منتوج الجزيرة من التمور حيث يشكل هذا النوع من الطعام مصدراً غذائياً مهما في حياة أهل الجزيرة. والى اليسار من (الايوان) يطالعك سلم (درج) حجري يؤدي بنا إلى الطابق العلوي من البيت.. وأول ما يصادفك في الطابق العلوي فناء واسع يطل بجهاته على البحر مفتوح الجوانب ومقسم إلى ثلاث مراحل.. أو فناءات.. أحدها كان مخصصاً للنساء وهو معزول تقريباً والثاني للشباب والثالث للكبار.

             ويشكل المجلس في الطابق العلوي علاقة مركبة ودوراً متفرعاً فهو قاعة للاجتماعات .. اجتماعات كبار التجار لا سيما تجار اللؤلؤ حيث كانت تتم فيه عقد الصفقات والتشاور في شأن التجارة والملاحة وغيرها.. وكان أيضاً مكاناً مهياً لراحة التجار.. واستجمامهم.. وملتقى ثقافياً.. أو ما يشبه الصالونات الأدبية في ذلك الزمان.

التجارة والعلاقة مع دول الجوار

          مجموعة الخرائط القديمة الموجودة في بيت المريخي والتي توضح علاقة البيت التجارية مع الأسواق المحلية والإقليمية تؤكد الدور الدبلوماسي والسياسي لهذا البيت . فجميع الخطوط البرية العابرة لمياه الخليج.. كانت (كما توضحها الرسوم) تأخذ من دلما.. مركزاً ونقطة التقاء.. وانطلاق.. لا سيما إذا ما أخذنا بالاعتبار. الوفرة الهائلة من المياه العذبة في الجزيرة وأكبر دليل على ذلك العدد الكبير من آبار الشرب القديمة والتي ما زالت حتى الآن تفيض بالمياه العذبة خاصة الآبار الموجودة قرب بيت المريخي وفي المساجد.. والتي تشكل مجتمعة مركزاً للمدينة آنذاك. فخطوط الملاحة البحرية تبدأ وتنتهي في الجزيرة. والسلاسل الموجودة حتى الآن المثبتة في أرضية القناة الواصلة بين البيت والبحر.. تدل على أن السفن التجارية كانت تتخذ من هذا البيت مأوى ومركزاً للتمويل.. بالماء والبضائع.. واللؤلؤ.. والدبس وغيرها من المواد التجارية.. وكانت العلاقة التجارية تزيد من أواصر الترابط والتلاقي الثقافي والاجتماعي والفكري مع دول الجوار.

الصناعة التحويلية

          سبق أن أشرنا إلى أهمية مركز اللؤلؤ.. صناعياً.. وقد تكون هذه العبارة أكبر من الواقع الصناعي في الجزيرة إلا أن التاريخ الذي لعب فيه بيت المريخي .. هذا البيت  الذي نتعتبره رمزاً يجعلنا نلقي الضوء على أهميتة كمركز صناعي.

          ففي الطابق الأول من البيت تقع هناك ثلاث مدابس .. كانت قبل مائتين وخمسين عاماً تشكل مصدراً غذائياً مستقراً وغنياً لأهل الجزيرة والجزر المجاورة بل وصلت إلى نسب تسمح بالتصدير.. وأن وجود هذه المدابس في مركز اللؤلؤ.. يؤكد أن جزيرة دلما كانت في تلك الفترة من الزمن بستاناً غنياً من النخيل والفواكه وغيرها.. فاعتماد المدابس على التمور يشير إلى فائض كبير في الإنتاج ولولا هذا لما قامت صناعة الدبس وتجفيف التمور والعنب وغيرها.. لقد عمل مركز اللؤلؤ على توفير قاعدة غذائية مهمة ترتكز أساساً على منتوجات الجزيرة الزراعية محاولاً استغلال كل الطاقات المتاحة منعاً للهدر والتفريط وابتهاجاً لمبدأ اقتصادي يعتمد على قاعدة الإكتفاء الذاتي بل وتصدير الفائض.

زيادة المعاملات مع الهند

          ونتيجة لزيادة حجم المعاملات التجارية بين الهند والخليج صار من الطبيعي أن فرضت العملة الهندية "الروبية" وجودها في ميدان المعاملات في الخليج، وقد قوىَ هذا الأمر الوجود البريطاني في الخليج، وهو وجود أصله في الهند مما أوجد مناخاً مناسباً للوجود الهندي في شتى مناطق الخليج ووفرت بريطانيا للجالية الهندية الحماية والأمن.

          بالإضافة إلى ذلك قام نظام الغوص على أساس حاجته للتمويل وهو أمر كان يتم قديماً عن طريق القروض التي تقدم للعاملين في ميدان الغوص سواء كانوا من الغواصين أو كانوا من النواخذة، وكان المصدر الأساسي لهذه القروض ممن يملكون المال، وأتاح ذلك الوضع للتجار الهنود أصحاب رؤوس الأموال القادرين على القيام بهذه العملية، بالمساهمة في تمويل رحلات الغوص حيث كانوا هم بعد ذلك الذين يقومون بشراء اللؤلؤ وتسويقه بالإضافة إلى الأرباح التي كانوا يحصلون عليها من الفوائد نتيجة عملية الإقراض حتى أنهم أقرضوا بعض تجار اللؤلؤ العرب أنفسهم.

          وبحكم العلاقات التجارية ارتبطت معظم المناطق التجارية في الخليج العربي ومنها جزيرة دلما بالعملة الهندية والتي تسمى الروبية بصورة غير رسمية منذ العام 1835 ، وقد عثر في جزيرة دلما على عملات تعود إلى العام 1835، وهي عبارة عن عملات هندية عثر عليها بجوار المباني التراثية على عمق 35 سنتيمتراً وتظهر على هذه العملات صوراً لأباطرة انجليز وأسماء الأباطرة، وتوجد كذلك قيمة العملة وتاريخ الضرب، هذا بالإضافة لصور الحيوانات ربما تمثل رموزاً هندية، وهناك عملات هندية مختلفة التواريخ تم العثور عليها، وعثر بجوار هذه العملات الهندية على عملات محلية ضربت في منطقة الخليج العام 1315 ، ويكشف تعدد أنواع العملات الأثرية التي عثر عليها بجزيرة دلما عن طبيعة النشاط الاقتصادي وحجم التجارة الدولية والمحلية وحجم المعاملات في السوقين المحلي والدولي، فالتجارة هي أكثر العوامل تأثيراً في العلاقات بين الشعوب، و بالعثور على عملات هندية بجزيرة دلما يؤكد ذلك على عمق التبادل التجاري بين الهند وجزيرة دلما، فالهنود يتاجرون في السلع والبضائع الهندية، ولازم بعضهم السفن العربية لتجارتهم واختار بعضهم الإقامة في بلاد العرب ومنهم التجار الهنود الذين كانوا يأتون من الهند في مواسم العرب وأسواقهم.

          وبذلك تكون دلما ساهمت تاريخياً في إنعاش الاقتصاد سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وهي اليوم تتباهى بتاريخها العريق الذي يعود إلى أكثر من ستة آلاف سنة